ابن فارض
85
ديوان ابن فارض
فلي ، بين هاتيك الخيام ، ضنينة عليّ بجمعي ، سمحة بتشتّتي « 1 » محجّبة بين الأسنّة والظبا إليها انثنت ألبابنا ، إذ تثنّت « 2 » ممنّعة ، خلع العذار نقابها مسربلة بردين : قلبي ومهجتي « 3 » تتيح المنايا إذ تبيح لي المنى ، وذاك رخيص منيتي بمنيّتي « 4 » وما غدرت في الحبّ أن هدرت دمي بشرع الهوى ، لكن وفت إذ توفّت متى أوعدت أولت ، وإن وعدت لوت وإن أقسمت : لا تبرئ السقم ، برّت « 5 » وإن عرضت أطرق حياء وهيبة ، وإن أعرضت أشفق ، فلم أتلفّت
--> « 1 » الضنينة : البخيلة . التشتت : التفرق . المعنى الصوفي : أن الحقيقة ضنينة لامتناعها على الناس فلا يصل إليها إلا السالكون للنور الإلهي . « 2 » المحجبة : المستورة . الأسنة : الحراب . الظبا : مفردها الظَّبة وهي طرف السهم أو السيف . المعنى الصوفي : أن الحقيقة محمية بالسيوف والسهام والرماح والوصول إليها محفوف بالتعب والمشقة والهلاك وهذه حال العارفين بالنور الإلهي فلا يصلون إليها إلَّا بعد التعب والمكابدة . « 3 » العذار : جانب الخد . النقاب : ما يخفي جسد المرأة ووجهها . مسربلة : لابسة السربال أو الثوب . البرد : الثوب . المعنى الصوفي : أن الحقيقة لا تنكشف بسهولة أمام طالبيها ولا تظهر لكل متهتك لا يبالي بما يظهر منه من المباحات فهي موجودة في القلب الروحاني ولابسة للروح كقوله تعالى : * ( وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * . « 4 » تتيح : تمنح . المنايا : مفردها المنية وهي الموت . تبيح : تعطي . المنى : الأمل . والجناس واضح بين تتيح وتبيح وبين منيتي أي أملي ومنيتي أي موتي . المعنى الصوفي : ان المحب الحقيقي يأبى أن يكون هذا الحب لغيره من الناس ولا يرضى أن يضاهيه في حبه هذا أو يزاحمه في معرفة اللَّه أي مخلوق . . « 5 » أوعدت : هددت بالشر . أولت : وفت بوعدها وبرت به . لوت : ما طلت . تبرئ : تشفي . برت : صدق وعدها . المعنى الصوفي : أن المؤمن يخاف الحقيقة وجبروتها إجلالا وتعظيما لها . فإذا احتجبت عنه خاف منها وقد قال اللَّه تعالى : * ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّه ِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) * .